ابن الأثير
678
الكامل في التاريخ
فمن محاسن أعماله : أنّه دخل بلاد الفرنج غازيا ، فجاز الدرب إليها ، وهو مضيق بين جبلين ، وأوغل في بلاد الفرنج يسبي ، ويخرّب ، ويغنم ، فلمّا أراد الخروج رآهم قد سدّوا الدرب ، وهم عليه يحفظونه من المسلمين ، فأظهر أنّه يريد المقام في بلادهم ، وشرع هو وعسكره في عمارة المساكن وزرع الغلّات ، وأحضروا الحطب ، والتبن ، والميرة ، وما يحتاجون إليه ، فلمّا رأوا عزمه على المقام مالوا إلى السلم ، فراسلوه في ترك الغنائم والجواز إلى بلاده ، فقال : أنا عازم على المقام ، فتركوا له الغنائم ، فلم يجبهم إلى الصلح ، فبذلوا له مالا ، ودوابّ تحمل له ما غنمه من بلادهم ، فأجابهم إلى الصلح ، وفتحوا له الدرب ، فجاز إلى بلاده . وكان أصله من الجزيرة الخضراء ، وورد شابّا إلى قرطبة ، طالبا للعلم والأدب وسماع الحديث ، فبرع فيها وتميّز ، ثم تعلّق بخدمة صبح والدة المؤيّد ، وعظم محلّه عندها ، فلمّا مات الحاكم المستنصر كان المؤيد صغيرا ، فخيف على الملك أن يختلّ ، فضمن لصبح سكون البلاد ، وزوال الخوف ، وكان قويّ النفس ، وساعدته المقادير ، وأمدّته الأمراء [ 1 ] بالأموال ، فاستمال العساكر ، وجرت الأمور على أحسن نظام . وكانت أمّه تميميّة ، وأبوه معافريّا ، بطن من حمير ، فلمّا توفّي ولي بعده ابنه عبد الملك الملقّب بالمظفّر ، فسار كسيرة أبيه ، وتوفّي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ، فكانت ولايته سبع سنين . وكان سبب موته أنّ أخاه عبد الرحمن سمّه في تفّاحة قطعها بسكّين كان قد سمّ أحد جانبيها ، فناول أخاه ما يلي الجانب المسموم ، وأخذ هو ما يلي الجانب الصحيح ، فأكله بحضرته ، فاطمأنّ المظفّر ، وأكل ما بيده منها فمات .
--> [ 1 ] الامرأة .